القاضي عبد الجبار الهمذاني
185
تثبيت دلائل النبوة
العقول والحكم التي لا تكاد تدانيها عقول الأرمن والروم ، يعبدون البددة قبل تنصر الروم بالدهور الكثيرة ، وليس يدعون الناس باتباعهم لا بسيف ولا برغبة ولا بالرهبة ، ومن دخل فيه لم يمنعوه ، وهم يدّعون ان أصنامهم تكلمهم وتأمرهم وتنهاهم ، وتبدرهم بالأمور قبل كونها ، وتأتيهم بالأمطار وما يسألونها من الرخاء والنعم ، وتدفع عنهم السوء ، وتشفي مرضاهم ، ويحملون زمناهم على الجنائز إلى سوق الأصنام فينقهون ويرجعون على اقدامهم ، ويدّعون انها تحيي الموتى ، ولهم رقى يدعون انها تشفي وتحيي ، فينبغي ان يكون هؤلاء محقين صادقين . والمجوس تدعي لزرادشت من المعجزات والآيات أكثر مما يدعيه النصارى لمن دعاهم إلى النصرانية ، ويقولون : نحن لا نكره أحدا على الدخول في ديننا ولا نرغبه فيه ، وهو دين خصنا اللّه به ، فمن دخل فيه لم نمنعه ، وإنما نقاتل ونحمل السيف على الأمم لتأدية الخراج والدخول في الطاعة فقط ، فأما لأجل الدين فلا نحارب . وعقول الفرس وحكمتها وتحصيلها قد عرفه الناس ، وكثرة وسع ممالكها فوق ممالك الروم بطبقات ، فينبغي على قياسكم ان يكونوا محقين وصادقين . فان قلتم لهم : لكم ملوك عتاة جبابرة هم ادخلوكم بالقهر والسيف والرغبة والرهبة في هذا الدين ، قالوا لكم : أما الدين فما تعرضوا لإدخال الناس فيه ولا / اشتغلوا به ، وإنما كان أخذهم للناس بالسمع والطاعة والخضوع للملك ، وهذا معروف . والعيان والموجود من دين النصرانية وما عليه هذه الطوائف لهم القهر والغلبة والسيف مذ كانت إلى هذه الغاية ، وما هاهنا سيف حمل بباطل إلا